mardi 15 octobre 2013

شنغاي أسئلة الترتيب العالمي للجامعات !

            ترتيب شنغاي أو بعبارة أوضح التصنيف الأكاديمي لجامعات العالم لمن لا يعرف مأتى التسمية  و جذورها الأولى هو  ترتيب من أهمّ تسع ترتيبات أكاديمية للجامعات في العالم  أطلقته  جامعة   شنغاي جياو تونغ الصينية  ليضم هذا الترتيب خيرة مؤسسات التعليم العالي و ليصنّف كبرى الجامعات في العالم بشكل مستقل ويخلق جوّ من التنافس العلمي و الأكاديمي فيما بينها  إذ يقع ترتيب هذه الجامعات وفقاً لصيغة محددة قوامها عدد من المعايير الصارمة و المضبوطة .
قصّة ميلاد ترتيب شنغاي :
انطلقت تجربة ترتيب الجامعات من الولايات المتحدة الأمريكية منذ بدايات العقد الثامن من القرن الماضي لكنّ الترتيب لم يتجاوز الحدود الجغرافية للولايات المتحدّة و هي أولى التجارب في الترتيب الأكاديميّ في العالم، أمّا الترتيبات العالمية فقد بلغ عددها إلى حدّ الآن تسع ترتيبات في انتظار الترتيب العالميّ الجديد الذي يعتزم الاتحاد الأوروبيّ اطلاقه في الأيام القادمة، الترتيب العالمي شنغاي فتعود نشأته إلى قرار اتخذه رئيس جامعة جياو زونغ jiao zong  بارسال ثلّة من خيرة طلبة جامعته الصينية لمواصلة دراستهم بأحسن المؤسسات الجامعية في الجامعات الأجنبية ليطلب من الكيميائي Nian Cai Lin نيان كي لين إعداد ترتيب لأفضل الجامعات في العالم ليتواصل اعداد هذا الترتيب سنويا و يصبح من أكثر الترتيبات الأكاديمية شهرة في العالم و ليتحوّل الاعلان عن نتائجه سنويا إلى حدث عالميّ بارز في الأوساط الأكاديمية.
أمّا بعض المقيمين لتجربة ترتيب شانغاي  فيرون أنّ  الهدف الأساسي من وراء اطلاق الصين  لمثل هذه الظاهرة الفريدة في تصنيف الجامعات فهو تحديد موقع الجامعات الصينية في مجال التعليم العالي ومحاولة تقليص الهوة فيما بينها وبين أفضل الجامعات النخبوية في العالم تماهيا مع التجارب الرائدة في البحث العلمي و الأكاديمي.
و بالنظر إلى ما اكتسبه هذا التصنيف ذو الجذور الصينية من شهرة فإنّ المعايير الموضوعية التي يقوم عليها هذا التصنيف جعلته يحتل أهمية عند الجامعات التي أخذت تتنافس و تتسابق حتى تفوز بمراتب متقدّمة في الترتيب و  حتى تضمن سمعة علمية عالمية متميّزة إذ يستند  هذا التصنيف إلى معاينة ألفي جامعة في العالم من أصل قرابة عشرة آلاف جامعة مسجلة في منظمة اليونسكو الأمميّة أي تلك الجامعات ذات  المؤهلات الأولية للمنافسة حسب ما تضبطه قواعد التصنيف  .
أمّا الخطوة الثانية من عمليّة معاينة مستوى الجامعات المؤهلة لدخول التصنيف العالمي فهي  اختيار ألف جامعة فقط منها بحيث تخضع هذه الجامعات مرة أخرى لمبدأ المنافسة  و التسابق نحو الحصول على مركز في أفضل 500 جامعة و بهذا يتّم نشر التقرير النهائي لتصنيف شنغهاي و قد تضمّن ترتيبا تفاضليا لأفضل 500 جامعة في العالم رغم الجدل الكبير الحاصل و المتواتر في وسائل الاعلام عقب كلّ تقرير حول الخصوصية التي يتفرّد بها ترتيب شانغهاي دونا عن الترتيبات العالمية الأخرى في نفس المجال و حول الأسباب العميقة التي تجعل هذا الترتيب أهمّ ترتيب في العالم رغم وجود عدد آخر من الترتيبات الأخرى التي تضاهيه من حيث طبيعة المجال و مسار التصنيف.
معايير الترتيب : عرض و قراءة .
و بالعودة إلى طبيعة المعايير المرصودة لهذا الترتيب فإنّ ترتيب شنغهاي يضع معيار الجودة في المقام الأوّل أمّا عدد المعايير المعتمدة لقياس كفاءة الجامعات وجودتها في هذا التصنيف فهي أربعة معايير أمّا المعيار المتبع الأوّل فهو مؤشر خريجي الجامعة من الحاصلين على جوائز نوبل ما عدى جائزة نوبل للآداب و السلام وأوسمة فيلدز وتبلغ حصّة هذا المعيار من  المجموع النهائي في تصنيف الجامعات  نسبة 10%.
أمّا المعيار الثاني فيستند إلى مؤشر يعنى الحاصلين على جوائز نوبل وأوسمة فليدز من هيئة التدريس و تصل نسبة هذا المعيار من المجموع النهائي للتصنيف إلى 20%، ويعتمد هذا المعيار مؤشر الاستشهاد بالباحثين الأكثر تميّزا في 21 تخصصاً علمياً وتصل نسبة هذا المؤشر إلى 20%.
و تعدّ مخرجات البحث المعيار الثالث في تصنيف شنغهاي إذ يعتمد هذا المعيار على مؤشر المقالات المنشورة في مجالي الطبيعة والعلوم لتكون نسبته من النتيجة النهائية للتصنيف 20%،و أيضاً تلك المقالات الواردة في دليل النشر العلمي الموسع ودليل النشر للعلوم الاجتماعية ودليل النشر للفنون والعلوم الإنسانية و تصل نسبة هذا المؤشر في التصنيف إلى  20%. أمّا المعيار الرابع و الأخير فهو لا يعد أن يكون حجم المؤسسة أي ذاك المؤشر الدّال على الإنجاز الأكاديمي مقارنة بباقي المعايير الثلاثة المذكورة آنفا و يبلغ نسبة 10% من مجموع النتيجة النهائية في التصنيف.
و بهذا تكون المعايير مضبوطة على الشكل التالي إذ تضمّ جودة التعليم 10 % من المجموع النهائي للتصنيف بينما تستحوذ جودة هيئة التدريس على نسبة 40 % و كذلك معيار مخرجات البحث الذي يحتل نسبة 40 % من معايير التصنيف الجملي بينما يقتصر حجم المؤسسة على 10% فقط من المجموع النهائي للتصنيف العالمي للجامعات في العالم.   
و من الجليّ مما تقدّم أنّ جميع المعايير المذكورة خاضعة إلى مقياس الجودة لكنّها لا تهتّم في الحقيقة إلاّ بجانب واحد من الجودة ألا و هو جودة البحث العلميّ بينما لا تمثّل جودة التعليم أيّ معيار من المعايير المعتمدة في تصنيف و ترتيب الجامعات حسب ترتيب شانغاي و لا يختلف اثنان حول العلاقة الجدلية التي تجمع جودة التعليم بجودة البحث لا سيّما اذا ما اعتبرنا أنّ الجامعات في العالم في حقيقة الأمر نوعان فبينما يهتمّ النوع الأوّل بجودة التعليم يهتّم النوع الثاني من الجامعات بتهيئة الخريجين لدخول عالم البحوث.
و لا بدّ من الاشارة هنا إلى أنّ المجالات المعتبرة في ترتيب شانغاي هي مجالات علميّة بالأساس أي تلك الاختصاصات التكنولوجية و الخاصّة بعالم الكيمياء و الفيزياء و الرياضيات و نحوها من العلوم الصحيحة بينما لا تحظى العلوم الانسانية إلاّ بحيّز بسيط و ضئيل في معادلة الترتيب ناهيك عن مسألة لغة البحث و هيمنة الجامعات الانقلوسكسونية على غيرها من الجامعات المعتمدة للغاتها المحليّة و ذلك لتفوّق تسجله اللغة الانقليزية في هذا العصر
 نتائج تصنيف شنغهاي  2013 :

رغم أنّ التصنيف الأكاديمي العالميّ شانغهاي كان عصارة مبادرة صينية و سنوات متتالية من العمل الجاد إلاّ أنّ الجامعات الأمريكية و غيرها من الجامعات الأخرى في العالم و منذ انطلاق التصنيف بقيت تتصدّر الترتيب دونا عن الجامعات الصينية فقد حظيت الجامعات الأمريكية بنصيب الأسد من الترتيب لسنة 2013  إذ اختيرت 149 جامعة أمريكية من أصل 500 جامعة لتكون في الترتيب النهائي لأفضل 500 جامعة في العالم فيما احتلت 17 جامعة أمريكية من بينها المراتب الأولى من أصل 20 مرتبة .
إذ تصدّرت جامعة هارفارد و ستانفورد و جامعة  كاليفورنيا - بركلي و جامعة مايتي للتكنولوجيا Massachussetts  المراتب الأربع الأولى في الترتيب فيما احتلت جامعة كمبريدج البريطانية المشهورة المرتبة الخامسة و تحظى جامعة أكسفورد  البريطانية بالمرتبة العاشرة . و قد حظيت بريطانيا هذه السنة بإدراج 37 جامعة من جامعاتها في الترتيب خلافا لسنة 2007 إذ كان نصيبها من الترتيب 42 جامعة فيما احتلّ  معهد التكنولوجيا زوريخ من الفدرالية السويسرية المرتبة العشرين بينما بلغ عدد الجامعات السويسرية التي وصلت إلى مرحلة الترتيب النهائية 7 جامعات فقط  .
امّا  اليابان فقد حظيت جامعاتها بنصيب متميّز أي 20 جامعة من أصل 500 جامعة.و أمّا الجامعات الصينية فقد حظيت بتصنيف 28 جامعة في الترتيب النهائيّ لسنة 2013  كما حظيت الجامعات الأوروبية بنسبة محترمة من الترتيب رغم أنّها تعتبر متأخرة من حيث المراتب مقارنة بالسنوات الفارطة التي احتلت فيها الجامعات الفرنسية و الألمانية مراتب محترمة في تصنيف شانغهاي العالمي وهو ما أدّى بالفرنسيين خاصّة إلى وصف التصنيف على أنّه  تصنيف مشكوك فيه أو بمعنى أدّق تصنيف لا بدّ من إعادة النّظر فيه و هذا ما يبينه مقال جريدة لوموند الفرنسية الأخير حول تصنيف شنغهاي إذ ينقل المقال لقراء الجريدة شكوى الجامعيين الفرنسيين و تألّمهم الصريح من تفوق الأنقلوسكسييين عليهم و من تميّزهم المشطّ في الترتيب.
مركز جامعات العرب .. نقطة استفهام 
و فيما يخصّ الجامعات في الدّول العربية و الاسلاميّة فقد ترشحت 3 جامعات من المملكة العربية السعودية للتصنيف النهائي  رغم تأخّر مراتبها في الترتيب و هي حسب تواترها في التصنيف هي جامعة الملك عد الله للعلوم و التكنولوجيا و جامعة الملك فهد للبترول و المعادن و جامعة الملك سعود،  فيما غابت دول عربية عرفت بمستوى التعليم فيها كالجمهورية العربية المصريّة و الجمهورية التونسية و المملكة المغربية و لبنان عن الترتيب و لسائل أن يسأل عن هذا الغياب الدائم للجامعات العربية في السنوات الأخيرة رغم أنّ جامعات عربية كجامعة القاهرة مثلا كانت ضمن التصنيف سنة 2007.
فالجامعات السعودية كما هو معروف تعتمد في التكوين و البحث و التأطير على كفاءات أجنبية منها بالأساس كفاءات عربية من الأساتذة و الباحثين هم زبدة ما تنتجه الجامعات العربية السالفة الذكر و الغائبة تماما في تصنيف شانغهاى لهذه السنة و من الجدير بنا الاشارة إلى أنّ الجامعات السعودية حسب آراء بعض الجامعيين الأجانب حول ظهور الجامعات في الترتيب الذين أشاروا في استنكار صارح لما تبذله الجامعات السعودية  من المال في سبيل الاحراز على مراتب في تصنيف.
 أمّا بالنسبة إلى  الدّول الاسلامية فقد احتلت تركيا مكانا يتيما في الترتيب بتصنيف جامعة اسطنبول في المرتبة 401 بينما  حظيت اسرئيل بستّ مراتب لجامعاتها رغم يفوع هذه الجامعات و حداثة انبعاثها و هي مراتب متأخرة في الترتيب عن تلك الأوروبية و الآسيوية و الأمريكية.
شنغهاي و معضلات جامعاتنا :

و مهما يكن من أمر فإنّ التصنيف الأكاديمي لجامعات العالم شنغهاي  يبقى مثيرا الجدل على مستويات عدّة خاصة و أنّ الاختلاف المذهل بين الجامعات في العالم من حيث الامكانيات المتاحة للتعليم و البحث و من حيث البرامج المتبعّة في التدريس و الخبرة التي اكتسبتها الجامعات الطاعنة في السنّ خاصّة تجعل المقارنة بين الجامعات اليافعة و الجامعات الضاربة في التاريخ مقارنة مأساوية بل إنّ المقارنة بين جامعات تستقطب العقول و الكفاءات العالمية كالجامعات الأمريكية و جامعات مازالت تعاني من غياب المجلات الجامعية المحكمة محليّا و وطنيّا في مختلف الاختصاصات تجعل من المعايير المتبعة في تصنيف شنغهاي محلّ مسائلة و انتقاد ، أمّ المعيار الأبرز الذي قد يجعل من المقارنة بين الجامعات على مختلف مشاربها و اختصاصاتها أمرا يضيق به المطلعون على نتائج التقرير فهو معيار الحصول على جائزة نوبل لدى الخريجين و الأساتذة في جامعات العالم فلو محّنا قليلا في عدد الحاصلين على هذه الجائزة في العالم العربي و الاسلامي في العشر سنوات الأخيرة لوجدنا صفرا من النتائج ناهيك عن تدهور الامكانيات و ضعف الاهتمام بالبحث العلمي و هجرة الأدمغة العربيّة إلى الدول الأوروبية و الولايات المتحدّة و غيرها من الأسباب العميقة كتدهور اللغات و ضعف الانتاج العلميّ و مشاكل كتابة المقالات العلميّة و الانجاز الأكاديميّ و غيرها.
ففيما تشكو الدّول الأوروبية تفوق الجامعات الانقلوسكسونية على جامعاتها ذات اللغة الفرنسية أو الألمانية أو الايطالية أو الاسبانية بمعدّل تأخّر رتبة أو رتبتين في كلّ تصنيف من تصنيفات شنغهاي تغرق الدّول العربيّة و غيرها في مشاكل جامعاتها الكثيرة التي  قد لا يلوح لها حلّ في القريب فإذا كانت عديد  التصنيفات العالمية المتواضعة في العالم  لا يظهر فيه مجهود جامعاتنا العربية و خاصّة منها التونسيّة فكيف الحال إذا كان التصنيف  الذي نتحدّث عن عدم ظهورها فيه هو التصنيف العالمي الأكثر جدليّة و أهميّة في العالم أي تصنيف شنغهاي للجامعات ؟

سميّة بالرجب 

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire